عبد المنعم الحفني
1483
موسوعة القرآن العظيم
أَلِيمٌ ( 104 ) ( البقرة ) : زعموا أنها منسوخة ولم يوردوا النصّ الذي نسخها ، وقالوا إنها ناسخة لما كان مباحا قوله ، والصحيح أنها لا منسوخة ولا ناسخة . * والآية : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ( البقرة 109 ) : قيل : نسختها الآية : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( التوبة 29 ) ؛ وقيل : الناسخ له الآية : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ( التوبة 5 ) ، والصحيح أن الآية محكمة وغير منسوخة ، وكان الرسول يدعو في مجالس اليهود والمشركين ، وأغلظ له عبد اللّه بن أبىّ ، فشكا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذلك إلى عبد اللّه بن عبادة ، فقال له عبد اللّه : بأبى أنت وأمي ، اعف عنه واصفح ، فو الذي أنزل عليك الكتاب بالحق ، لقد جاءك بالحق الذي أنزل عليك ! فعفا عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ونزلت الآية ، فلا تعارض إذن ولا نسخ . * والآية : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ( البقرة 115 ) : قال بشأنها ابن عباس : إن الآية منسوخة بقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ( البقرة 144 ) ، فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلى المرء كيفما شاء ثم نسخ ذلك . والصحيح أن الآية لم تنسخ ، وأنها متصلة بالآية قبلها : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ( البقرة 114 ) ، والمعنى أن بلاد اللّه تسع المؤمنين ، فلا يمنعهم تخريب من خرّب مساجد اللّه أن يولّوا وجوههم نحو قبلة اللّه أينما كانوا من أرضه ، فإن له المشرق والمغرب والجهات كلها ، فإذا منعوا من أن يصلّوا في المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فإن الأرض لهم مسجد حيثما كانوا من شرق أو غرب ، وذلك تسلية بحلّ الذكر والصلاة في جميع الأرض لا في المساجد خاصة ، وفي الحديث الصحيح : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » . * والآية : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) : قالوا : هي منسوخة بالآية : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ( 13 ) ( البقرة ) ، ومنشأ دعوى النسخ هو : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ، فسّرها عروة لخالته عائشة : فما أرى على أحد جناحا ألا يطوّف بهما ، والصحيح ما ذكرته عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي ! إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت : لا جناح عليه ألا يطوّف بهما . وقالت : وقد سنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما . وأيضا فإن قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ خبر مؤكد أريد به الأمر المؤكد . وقوله : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً إشارة إلى أن السعي واجب عن تطوع بالزيادة عليه ، فإن اللّه يشكر ذلك له . ولم يصحّ عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن الآية منسوخة ، ولا مجال لادّعاء التعارض بين الآيتين ، ولا معنى لدعوى النسخ إذن .